السؤال الثاني
هل أعرف غاية خَلْق الإنسان وموقعي في هذه الغاية؟
هل معرفتي بموقعي في نظام الوجود مجرّد تصوّرٍ ذهنيّ وعلمٍ حصولي، أم هي معرفةٌ تُوجِّه حياتي، واختياراتي، وحركتي الوجودية؟
إنّ السؤال عن غاية الخلق إذا اقتصر على مجرّد المعرفة النظرية، أفضى بالإنسان إلى علمٍ منفصلٍ عن واقع الحياة. أمّا القضية الحقيقية فهي علاقة هذه الغاية بالربوبية والحركة الجوهرية للنفس؛ فهل أنا أسير في طريق غايتي الوجودية، أم أدور في فلك التصوّرات الذهنية والأهواء النفسانية؟
الشواهد القرآنية
١. الغائية في خلق الإنسان
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(الذاريات: ٥٦)
ليس الإنسان موجودًا وُجد مصادفةً، بل إنّ خلقه قائمٌ على غايةٍ مقصودة، وهي العبودية لله تعالى والتسليم في مدار الربوبية.
٢. توجيه الحياة والحركة الوجودية
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾(الأنعام: ١٦٥)
جُعل الإنسان خليفةً في الأرض، فهو ليس موجودًا سلبيًّا أو منفعلًا، بل هو مسؤول عن توجيه مسيرته وتحقيق كماله، والإسهام في صلاح المجتمع.
٣. نفي الاكتفاء الذاتي وضرورة اتّباع الهداية الإلهية
إنّ حركة الإنسان نحو كماله ليست منبثقةً من استقلاله الذاتي، بل إنّ وجوده كلَّه قائمٌ على الافتقار إلى الإفاضة الإلهية.
ومن ثَمَّ، فإنّ جهة الحركة نحو الكمال ليست صادرةً من الإنسان نفسه، بل من قبول هداية الله وربوبيته؛ وهذا القبول هو الشرط الأساس لتحقيق الغاية من الخلق.
٤. نتيجة الغفلة عن الغاية والربوبية
﴿فَيَقُولُونَ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
إذا جهل الإنسان موقعه في نظام الوجود، انحصرت رؤيته في الحياة الدنيا، وصارت غايته اللذائذ الزائلة والمكاسب العابرة، وغفل عن غايته الحقيقية.
الشواهد العلوية
١.
«مَنْ أَدْرَكَ أَصْلَهُ وَغَايَتَهُ صَحَّتْ أَعْمَالُهُ وَاسْتَقَامَتْ نِيَّتُهُ.»(غرر الحكم، ح ٩٢٥٠)
إنّ معرفة أصل الوجود وغايته شرطٌ لصحة العمل واستقامة النيّة.
٢.
«اعْلَمْ أَنَّكَ خُلِقْتَ لِلَّهِ فَاتَّبِعْ طَرِيقَهُ وَاهْتَدِ بِهِ.»(تحف العقول، باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام)
إنّ الإنسان لا يبلغ غايته الوجودية إلا بالسير في طريق الربوبية الإلهية.
٣.
«مَنْ عَلِمَ مَقْصُودَهُ صَارَتْ أَفْعَالُهُ مُوَجَّهَةً.»(غرر الحكم، ح ٩٢٣٥)
إنّ معرفة المقصد تُوجِّه أفعال الإنسان نحو غايتها، وتُخلِّص النفس من التشتّت والتمركز حول الذات.
التحليل
أ) المحور الرئيس في الكلام العلوي: الحركة الوجودية في مدار غاية الخلق
لا ينظر أمير المؤمنين عليه السلام إلى موقع الإنسان في الخلق بوصفه قضيةً ذهنيةً أو معرفةً نظريةً فحسب، بل يربطه مباشرةً بالحركة الوجودية للنفس واتجاهها.
وعلى هذا الأساس، فإنّ غاية الخلق ليست مجرّد معلومةٍ تُدرَك، بل هي التي تُحدِّد تكليف الإنسان، وترسم مسيرته الوجودية.
فالإنسان الذي يجهل غايته، وإن بدا متديّنًا في ظاهره، يبقى في واقع أمره أسير الحيرة والتمركز حول ذاته.
ولذلك يؤكّد الإمام عليه السلام أنّ معرفة الغاية لا بدّ أن تظهر في انبعاث حركة النفس، وإصلاح جهة الحياة، لا أن تبقى حبيسة التصوّرات الذهنية.
ومن هنا يتّضح معنى قوله عليه السلام:«مَنْ أَدْرَكَ أَصْلَهُ وَغَايَتَهُ صَحَّتْ أَعْمَالُهُ وَاسْتَقَامَتْ نِيَّتُهُ.»
فإنّ إدراك الأصل والغاية يثمر مباشرةً سلامة العمل واستقامة النيّة.
ب) العلاقة بين معرفة الغاية وصحّة العمل
تمرّ معرفة الغاية الوجودية ـ في المنطق العلوي ـ بمرحلتين أساسيتين:
أولًا: تحرير حركة النفس من التمركز حول الذات
فعندما يدرك الإنسان موقعه في غاية الخلق، ينتقل مركز القرار من الذات إلى الربوبية.
وهذا التحوّل هو المقدّمة الضرورية لإخلاص النيّة؛ لأنّ النيّة التي لا تستند إلى التوجّه الربوبي تبقى مشوبةً بحبّ الذات وطلب الظهور.
ثانيًا: تصفية النيّة واستقامة الحركة الوجودية
فإذا استقامت جهة الحركة، خلصت النيّة بطبيعتها.
وهذا الترتيب يختلف عمّا تذهب إليه كثيرٌ من المناهج الأخلاقية التي تبدأ بإصلاح النيّة؛ إذ إنّ المنهج العلوي يجعل تصحيح الجهة الوجودية مقدَّمًا على التهذيب النفسي.
وعليه، فإنّ الأعمال العبادية، إذا خلت من معرفة الغاية والموقع، بقيت ذات صورةٍ عبادية، ولكنّها تفتقد الحركة الحقيقية للنفس، وهو ما يرتبط ـ في التحليل الصدرائي ـ بمفهوم الحركة الجوهرية للنفس.