صُحُف.

شبكة قضايا الإنسان

الوحدة الأولى: الإنسان – العلّة الفاعليّة – الخالق (الله تعالى)/ الشكر على النعم؛ من الحمد باللسان إلى توظيف النعمة في سبيل الله

۱۱ تیر ۱۴۰۵ بدون دیدگاه

السؤال السادس

هل نستعمل نعم الله تعالى استعمالاً صحيحاً؟
حين يُذكر الشكر، ينصرف ذهن كثيرٍ من الناس إلى ألفاظٍ من قبيل: «الحمد لله» أو إلى مجرّد إظهار الامتنان باللسان. ولكن، هل حقيقة الشكر في منطق القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام تنحصر في ذلك؟
إنّ السؤال الأساس هو: ما الدور الذي تؤدّيه نعم الله تعالى في حياتنا؟ هل تقرّبنا من الله سبحانه، أم تصبح سبباً للغفلة، والاستغناء الوهمي، والتعلّق المتزايد بالدنيا؟
ومن منظور القرآن الكريم والحكمة الإسلاميّة، ليس الشكر مجرّد إحساسٍ نفسيّ أو لفظٍ يُقال، بل هو معرفة، وتوجّهٌ وجودي، ومنهجٌ صحيح في الانتفاع بالنعم.
الشكر؛ مفتاح ازدياد النعمة
قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧)
يفهم كثيرٌ من الناس هذه الآية على أنّها وعدٌ أخلاقي؛ وكأنّ الله تعالى يمنح نعمةً إضافيّةً جزاءً على الشكر. غير أنّ التأمّل الأعمق يكشف أنّها تتحدّث عن سنّةٍ وجوديّة.
فالشكر يوسّع قابليّة الإنسان لتلقّي الفيض الإلهي؛ لأنّ من عرف النعمة، ووضعها في موضعها الصحيح، أصبح أكثر استعداداً لتلقّي نعمٍ جديدة. أمّا كفران النعمة، فإنّه يورث نوعاً من الانسداد الوجودي في النفس، وإن بقيت النعمة ـ بحسب ظاهر الحال ـ بين يديه.
كفران النعمة؛ أوسع من الإنكار باللسان
قال تعالى في وصف قومٍ سُلِبت منهم نعمة الأمن والرخاء: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (النحل: ١١٢)
وليس المراد بالكفر هنا الإنكار اللفظي لوجود الله تعالى، وإنّما فصلُ النعم عن غاياتها الإلهيّة، وتسخيرها في غير ما خُلقت له.
وعليه، فقد يكون الإنسان كثير الحمد بلسانه، ولكنّه يستعمل نعم الله تعالى في غير مرضاته، فيكون ذلك ـ بحسب منطق القرآن ـ لوناً من الكفران العملي.

الشكر في القرآن؛ عملٌ لا مجرّد شعور
ومن أوضح الآيات في بيان حقيقة الشكر قوله تعالى مخاطباً آل داود:
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سبأ: ١٣)

فلم يقل سبحانه: «قولوا شكراً»، وإنّما قال: ﴿اعْمَلُوا﴾.
وهذا يدلّ على أنّ الشكر أسلوب حياة، يتمثّل في توظيف النعم في طريق الحقّ، والعدل، والنموّ، والقرب من الله تعالى.
وعلى هذا الأساس، فإنّ العلم، والمال، والقدرة، والصحّة، والفرص، بل والزمن نفسه، لا يكون مشكوراً إلا إذا استُثمر في موضعه الذي أراده الله سبحانه.
لماذا يعود نفع الشكر إلى الإنسان؟
قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (لقمان: ١٢)
إنّ الله سبحانه غنيّ عن شكر عباده، وإنّما ثمرة الشكر تعود إلى الإنسان نفسه.
فالشكر يربّي الروح، ويصحّح الرؤية، ويحوّل النعم إلى وسائل للكمال والارتقاء؛ فهو في الحقيقة آليّةٌ لتكامل النفس.
نظرة أمير المؤمنين عليه السلام إلى حقيقة الشكر
أولاً: الشكر سبب بقاء النعمة
«الشُّكْرُ زِيَادَةُ النِّعْمَةِ وَأَمَانٌ مِنَ الزَّوَالِ».
فالشكر سببٌ لازدياد النعمة، وضمانٌ لبقائها.
وليس الزوال مقتصراً على فقدان النعم الظاهرة، بل قد تنهار نفس الإنسان بالغفلة أو الكِبر قبل أن تزول النعمة نفسها.
ثانياً: الشكر قيد النعمة
«مَنْ شَكَرَ النِّعْمَةَ فَقَدْ قَيَّدَهَا».
يصف الإمام عليّ عليه السلام الشكر بأنّه قيدٌ للنعمة؛ أي إنّه العامل الذي يحفظها في مسارها الصحيح.
فكلّ نعمة إذا انفصلت عن الله تعالى وعن غايتها الإلهيّة، أمكن أن تتحوّل إلى سببٍ لهلاك صاحبها.
ثالثاً: قلّة الشكر وجهٌ من وجوه الكفران
«قَلِيلُ الشُّكْرِ كُفْرَانٌ لِلنِّعْمَةِ».
ففي المنطق العلوي، لا ينحصر الكفران في ترك الشكر بالكلّيّة، بل إنّ الانتفاع المحدود أو الناقص بالنعمة في غير طريق الكمال يُعدّ أيضاً لوناً من ألوان كفرانها.

التحليل
الشكر والحركة الوجوديّة للإنسان
في الحكمة المتعالية عند صدر المتألّهين، ليست النعمة مجرّد متاعٍ خارجي، بل هي مرتبةٌ من مراتب الوجود أفاضها الله تعالى على الإنسان.
وعلى هذا الأساس:
الشكر هو استيعاب النعمة وهضمها وجوديّاً في طريق الكمال.
والكفران هو استهلاكها في مستوى الشهوات والرغبات العاجلة.
فالنعمة التي لا تُثمر شكراً تزيد تعلّق الإنسان بالدنيا.
أمّا النعمة التي تُشكر حقّ شكرها، فإنّها تصبح وسيلةً لنموّ الإنسان وارتقائه الوجودي.
ومن منظور الحركة الجوهريّة، يكون الشكر سبباً لصعود النفس في مدارج الكمال، بينما يكون الكفران سبباً لركودها وثقلها.
كيف نحوّل الشكر من لفظٍ إلى أسلوب حياة؟
١. معرفة النعم
ليسأل الإنسان نفسه:
ما النعم التي أنعم الله بها عليّ؟
ولأيّ غايةٍ وُهبت لي هذه النعم؟
٢. تقويم طريقة استعمال النعم
وليراجع نفسه كلّ يوم:
هل تُقرّبني هذه النعمة من الله تعالى؟
أم تجعلني أكثر انغماساً في الغفلة والأنانيّة؟
٣. تحويل الشكر إلى عمل
بتسخير العلم، والمال، والمكانة الاجتماعيّة، والوقت، وسائر الطاقات والإمكانات في خدمة الخير، والحقّ، والرشد.
٤. المحاسبة على أساس النعم
ليسأل نفسه:
أيّ النعم كانت سبباً ليقظتي الروحيّة؟
وأيّها زادت من غفلتي؟

الخاتمة
ليس الشكر في منطق القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام مجرّد ذكرٍ يجري على اللسان، وإنّما هو منهج حياة؛ يقوم على رؤية النعمة، ومعرفة مُنعِمها، وإدراك غايتها، واستعمالها في سبيل الحقّ.
وليس المعيار الحقيقي للشكر كثرة قول: «الحمد لله»، وإنّما الأثر الذي تركته نعم الله تعالى في حياة الإنسان: هل قرّبته من ربّه، أم أبعدته عنه؟
ولعلّ أهمّ سؤالٍ يختم به الإنسان يومه هو: هل كانت النعم التي أُوتيتها اليوم سبباً ليقظتي، أم سبباً لازدياد غفلتي؟

نویسنده ارشد صُحُف

مشاهده تمام مطالب نویسنده

ارسال دیدگاه جدید

عضویت در خبرنامه صُحُف

از جدیدترین کتاب‌ها و تخفیف‌ها باخبر شوید.