السؤال الخامس
هل يكون موضعُ اعتمادي عند الشدائد وتحدّيات الحياة هو اللهُ الربّ، أم القوى والحسابات والضمانات المادّية؟
المسألة الرئيسة: إذا طُرح موضوعُ «التوكّل» بوصفه خُلُقاً عامّاً أو توصيةً أخلاقيّةً مجرّدة، انحصر في وعظٍ مبهمٍ لا يكشف عن حقيقته. وإنّما المسألة الحقيقيّة هي: ما هي نسبةُ مركز اعتماد النفس إلى ربوبيّة الله تعالى في ظروف الضغط والفقد وانعدام الأمان؟
فالشدائد هي الميدان الذي تنكشف فيه حقيقة التوكّل؛ إذ يظهر فيها هل إنّ الله تعالى حاضرٌ في حياة الإنسان بوصفه ربّاً بالفعل، أم أنّه لا يُلتجأ إليه إلا بعد سقوط الأسباب وفشل الوسائل.
الشواهد القرآنية
١. التوكّل انتقالٌ للاعتماد من الأسباب إلى الربّ
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣)
إنّ قوله تعالى: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ لا يعني إزالة جميع المصاعب، وإنّما يدلّ على الكفاية الوجوديّة. فالقرآن لا يعد بزوال البلاء، بل يقرّر أنّ الله تعالى يصبح لعبده كافياً. فالتوكّل انتقالٌ لمركز الاطمئنان، لا إنكارٌ لواقع الشدائد ولا رفعٌ لها.
٢. التوكّل في صميم القرار، لا بعد الإخفاق
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)
جاء التوكّل بعد العزم، لا بدلاً عنه؛ فلا يُلغى العقل ولا التدبير ولا حسنُ التخطيط، ولكن بعد استيفائها ينتقل الاعتماد النهائي من النفس إلى الربّ سبحانه.
فالتوكّل الوهميّ السابق على الأخذ بالأسباب، كما أنّ التوكّل اليائس اللاحق لفشلها، كلاهما خارجٌ عن المنهج القرآني.
٣. الركون إلى القوى المادّية منشأ الاضطراب
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (آل عمران: ١٧٣)
ثم قال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾
إنّ منشأ الخوف هو تركيز النظر على القوى الظاهرة والأسباب المادّية. أمّا المؤمن فلا ينكر وجود الخطر، وإنّما يعيد مركز الاعتماد إلى قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. فالإيمان هنا تحوّلٌ في إدراك المرجع الحقيقي للقوّة.
٤. التوكّل ونفي الاستقلال عن الأسباب
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: ٥٣)
وهذه الآية تؤسّس لحقيقة التوكّل؛ إذ لا يوجد سببٌ يملك الاستقلال الذاتي. فالاعتماد على الأسباب إذا انتهى إلى الاعتقاد باستقلالها كان لوناً من الشرك العملي في الربوبيّة، وإن لم يُنكر الإنسان وجود الله بلسانه.
الشواهد العلوية
١. «التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ».غرر الحكم، الحديث: ٤٨٥.
٢. «مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ».غرر الحكم، الحديث: ٨٩٣٧.
٣. «الثِّقَةُ بِاللَّهِ حِصْنٌ لَا يُهْدَمُ».غرر الحكم، الحديث: ٣٣١٣.
التحليل
أ) التوكّل تصحيحٌ لمرجع اعتماد النفس
يفهم من كلام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ النجاة لا تنشأ من زوال الأخطار، بل من تصحيح جهة الاعتماد. فالسوء الحقيقي ليس وجود الابتلاء، وإنّما اعتماد النفس على غير الربّ سبحانه.
ب) التخلية الإلهيّة ثمرةُ التوكّل على غير الله
إنّ قوله عليه السلام: «وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» يدلّ على أن يُترك الإنسان في حدود الأسباب المحدودة التي اعتمد عليها. فالله تعالى يخلّي بينه وبين ما اتّخذه ملجأً، فيبقى محصوراً في مرتبته الناقصة، وذلك هو عين الخسران الوجودي.
ج) التوكّل حصنٌ وجوديّ
المراد من «الحصن» في كلام الإمام عليه السلام ليس مجرّد حالة نفسيّة من الاطمئنان، بل مقامٌ وجوديّ من الأمن. فالنفس المتوكّلة لا تنهار بانهيار الأسباب، وإنّما تبقى ثابتةً لاتّصالها بالمبدأ الحقّ. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين السكينة العلويّة وبين الأمن المادّي الزائف.
وفي الحكمة المتعالية عند صدر المتألّهين، يُعدّ التوكّل على الربوبيّة توجيهاً للحركة الجوهريّة للنفس؛ فإنّ النفس عند مواجهة الشدائد إمّا أن تتحرّك نحو الانقباض والخوف، وإمّا أن تتوجّه نحو الاتّساع والثبات.
فالاعتماد على الأسباب استقلالاً يحبس النفس في مرتبة الحسّ والوهم، أمّا التوكّل فهو ربط حركة النفس بالأفق الربوبي، والانتقال من العلّيّة الناقصة إلى العلّيّة الحقيقيّة.
ومن منظور العقل العملي، لا يعني التوكّل تعطيل التدبير، وإنّما يعني نفي استقلال التدبير عن إرادة الله تعالى.
البروتوكول العملي
١. تشخيص مرجع الاعتماد عند حلول الأزمة:
«على أيّ شيء يطمئنّ قلبي الآن: إلى الضمانات المادّية، أم إلى ربوبيّة الله تعالى؟»
٢. التفريق بين التدبير والاعتماد:
خطّط، واتّخذ القرار، وأحسن التدبير، ولكن لا تجعل قلبك أسيراً للنتائج.
٣. الإكثار من قول: «حَسْبُنَا اللَّهُ» أثناء العمل، لا بعد الإخفاق:
ليكون التوكّل ثابتاً قبل أن يستولي الإنهاك النفسي على القلب.
٤. المحاسبة بعد انقضاء الشدّة:
هل قرّبتني هذه المحنة إلى الله تعالى، أم زادت تعلّقي بالأسباب؟
المصادر
القرآن الكريم.
غرر الحكم ودرر الكلم، لعبد الواحد الآمدي، الأحاديث: ٤٨٥، ٣٣١٣، ٨٩٣٧.
الشيخ علي الشيرواني، ترجمة غرر الحكم.
صدر المتألّهين الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج ٨، مبحث الحركة الجوهريّة للنفس (بالمضمون).