صُحُف.

شبكة قضايا الإنسان

الوحدة الأولى/ الإنسان و العلّة الفاعلية و الخالق سبحانه وتعالى في النموّ والتكامل الفردي: الخالقية والربوبية ودورهما في بناء الإنسان

۶ تیر ۱۴۰۵ بدون دیدگاه

السؤال الأوّل
هل عرفتُ الله تعالى خالقًا وربًّا حقَّ المعرفة؟

هل معرفتي بالله تعالى ـ بوصفه الخالق والربّ ـ مجرّد معرفة ذهنيّة أو لفظيّة، أم هي معرفة تُنظِّم بالفعل نيّتي وعملي واتّجاه حياتي؟
إنّ السؤال عن «معرفة الله» على نحو الإطلاق سؤالٌ مجمل؛ إذ قد يُختزل إلى مجرّد العلم الحصولي. أمّا القضية الحقيقية فهي علاقة هذه المعرفة بربوبية الله الفعلية في حياة الإنسان؛ أي: هل الله في واقع العمل هو الربّ، أم أنّه مجرّد معلومٍ في الذهن؟

الشواهد القرآنية

١. الخالقية ≠ الربوبية
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
(لقمان: ٢٥)
إنّ الإقرار بخالقية الله تعالى أمرٌ شائع، غير أنّ هذا الإقرار لا يستلزم بالضرورة الخضوع الوجودي له. وهذا بعينه ما تعبّر عنه كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بـ المعرفة اللفظية.

٢. الربوبية بوصفها هدايةً وجوديةً مستمرة
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾
(طه: ٥٠)
إنّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هَدَىٰ﴾ يدلّ على أنّ الربوبية ليست مجرّد إيجاد، بل هي هدايةٌ تدريجيةٌ مستمرةٌ للوجود. وهذا ينسجم تمام الانسجام مع التحليل الصدرائي للربوبية بوصفها إفاضةً وجوديةً وهدايةً دائمة.

٣. نفي الاكتفاء الذاتي للإنسان
(على نسق قوله عليه السلام: «لم تُخلق لنفسك»)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
(فاطر: ١٥)
إنّ الفقر المذكور في هذه الآية هو الفقر الوجودي؛ أي افتقار الإنسان في بقائه وكماله وتشخيص غايته إلى الله سبحانه. وهذه الآية تمثّل الأساس القرآني المباشر للمقولة العلوية: إنّ الإنسان لم يُخلق لنفسه.

٤. العلاقة بين معرفة الربّ واتجاه العمل
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(الأنعام: ١٦٢)
إنّ محور التوجّه الوجودي هو ربّ العالمين، لا مجرّد أداء العبادات؛ فالآية تشمل الصلاة، وسائر العبادات، والحياة، والموت، ومنهج العيش بأكمله. وهذا هو بعينه ما تشير إليه الكلمات العلوية تحت عنوان صحّة العمل.

٥. غياب الربوبية عمليًّا = عدم ثمرية العبادة
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
(الماعون: ٤–٥)
قد توجد الصلاة وحركات الجسد، ولكن تغيب عنها الربوبية. والنتيجة أنّ العبادة الخالية من حضور الربوبية عبادةٌ ناقصة، وقد تكون سببًا للخسران الروحي.

٦. الربوبية وتزكية النفس
(لا مجرّد الإصلاح النفسي)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
(الشمس: ٩–١٠)
ليست التزكية مجرّد تهذيبٍ نفسي، بل هي إعادة توجيه النفس وجوديًّا، وإخراجها من التمركز حول الذات، وإدخالها في مدار الربوبية الإلهية.

٧. الخاتمة القرآنية والتحليل الصدرائي
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾
(النجم: ٤٢)
إنّ جميع الحركات ـ بما فيها الحركة الجوهرية للنفس ـ تنتهي في نهاية المطاف إلى الربّ. فإذا غاب هذا «المنتهى» عن وعي الإنسان، بقيت الحركة موجودة، ولكنها تتحول إلى تيهٍ وضياع، لا إلى كمال.
إنّ الإيمان بإلهٍ يُعترف به خالقًا فحسب، يُنتج تديّنًا هشًّا غير مستقرّ؛ أمّا الإيمان بإلهٍ يُعاش بوصفه ربًّا، فهو الذي يُحدِث التحوّل الحقيقي في الإنسان.
الشواهد العلوية
١.
«اعْلَمْ أَنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِكَ بَلْ لِلَّهِ، فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ وَالإِخْلَاصِ.»
(تحف العقول، باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام)

٢.
«مَنْ أَدْرَكَ رَبَّهُ أَدْرَكَ غَايَةَ الْخَيْرِ وَسَعَادَةَ النَّفْسِ.»
(غرر الحكم، ح ٨٦٣٢)

٣.
«مَنْ تَعَرَّفَ عَلَى رَبِّهِ صَحَّتْ أَعْمَالُهُ وَخَلُصَتْ نِيَّتُهُ.»
(غرر الحكم، ح ٩٢١٤)
التحليل
أ) المحور الرئيس في الكلام العلوي
تُطرح الربوبية في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام بوصفها نسبةً وجوديةً، لا مجرّد مفهومٍ اعتقادي.
ويتكرّر في النصوص العلوية، بصورةٍ منهجية، ثلاثة ألفاظ محورية:

الخِلقة
الربّ
العمل / النيّة

وهذا يكشف عن سلسلةٍ علّيةٍ وجودية مترابطة:
الخِلقة ← الربوبية ← اتّجاه العمل ← صحّة النيّة
فمعرفة الله ليست معرفةً مستقلّةً عن آثارها، بل تُطرح دائماً مقرونةً بأثرها في العمل. فإذا لم تُثمر المعرفة تحوّلاً في السلوك، بقيت في حدود التصوّر الذهني ولم ترتقِ إلى مرتبة الإدراك الوجودي.

ب) تحليل قوله عليه السلام: «لَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِكَ»
يتضمّن هذا البيان نفياً للاكتفاء الذاتي الوجودي للإنسان.
فالإنسان:
ليس مالكاً للغاية النهائية لوجوده.
وليس المرجع الأخير في تشخيص الخير والشر.
وليس صاحب السلطة المطلقة في تقرير مصيره وقراراته.
والمقصود بـ النفس هنا هو مركز النزعة إلى الاستقلال الوجودي.
فكلّ عملٍ ينطلق من مبدأ: «أنا أريد»، وإن اتخذ صورة العبادة، يكون قد خرج عن منطق الخِلقة ومقتضى الربوبية.

ج) العلاقة بين إدراك الربّ وسعادة النفس
ليس المراد من إدراك الربّ مجرّد امتلاك معلوماتٍ عنه، بل الوصول إلى معرفةٍ وجودية تُحدث تحوّلاً في حقيقة الإنسان.
كما أنّ سعادة النفس ليست مجرّد راحةٍ نفسية أو نجاحٍ اجتماعي، بل هي ثمرة استقرار النفس في مدار الربوبية الإلهية، وانسجامها مع الغاية التي خُلقت لأجلها.

د) صحّة العمل وإخلاص النيّة
أوّلاً: ينجو العمل من فقدان الغاية والاتجاه.
ثمّ: تتطهّر النيّة من الرياء، وحبّ الظهور، والأنانية.
ومن هنا فإنّ التوجّه الوجودي يسبق التهذيب النفسي؛ لأنّ تصحيح الجهة مقدَّم على تصفية الدوافع.

التحليل الفلسفي
الربوبية
الربوبية هي الهداية الوجودية المستمرة، وليست وظيفةً إداريةً أو أمراً خارجياً فحسب، بل هي الإفاضة الدائمة للكمالات الوجودية على الموجودات بحسب قابلياتها.
الحركة الجوهرية للنفس
كلّ قرار، وكلّ نيّة، يُمثّل تحوّلاً في وجود النفس.
فإذا خلت النفس من المعرفة الربوبية، اتّجهت حركتها نحو التشتّت والضعف الوجودي، بدل أن تتجه نحو الكمال.
العقل النظري والعقل العملي
العقل النظري يدرك الحقيقة.
وأمّا العقل العملي فهو الذي يوجّه السلوك ويقود الإرادة.
فإذا بقيت المعرفة في حدود العقل النظري وحده، أصبحت الأفعال عرضةً لهيمنة الشهوة والوهم، ولم تتحوّل الحقيقة إلى منهجٍ للحياة.
العبادة من دون ربوبية
قد تتحقّق الحركات البدنية، وتحضر الصور الذهنية والخيالات، ولكن التحقّق الوجودي للعبودية لا يقع.
فالعبادة الحقيقية ليست مجرّد أداء الأفعال، بل هي صيرورة الإنسان عبداً لله في جميع شؤون وجوده.
البروتوكول العملي
إنّ معرفة الربوبية لا تكتمل بالتصوّر الذهني وحده، بل ينبغي أن تتحوّل إلى منهجٍ عملي يرافق الإنسان في نيّته وعمله ومحاسبته لنفسه. ومن أجل تحقيق ذلك يمكن اعتماد الخطوات الآتية:

١. إعادة تنظيم النيّة قبل العمل
قبل الإقدام على أيّ عمل، ليسأل الإنسان نفسه:
«هل يُمثّل هذا العمل امتدادًا لربوبية الله في حياتي، أم أنّه يُرسِّخ محوريّة الذات في وجودي؟»
فالغاية ليست مجرّد إنجاز العمل، بل تصحيح جهته الوجودية، بحيث يكون منطلقًا من العبودية لله تعالى لا من الأنا.
(غرر الحكم، ح ٩٢١٤)

٢. استحضار الربوبية أثناء العمل
أثناء أداء العمل، ينبغي نقل مركز الاهتمام من النتائج الشخصية والمكاسب الذاتية إلى أداء التكليف على الوجه الذي يرضي الله تعالى.
فحضور الربوبية في العمل هو الذي يمنحه معناه الحقيقي، ويحوّله من مجرّد فعلٍ خارجي إلى سلوكٍ عباديّ ذي أثرٍ وجودي.
(تحف العقول، باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام)

٣. محاسبة النفس بعد العمل
بعد الفراغ من العمل، يكون المعيار في تقييمه هو السؤال الآتي:
«هل خفَّف هذا العمل من تمركزي حول ذاتي، أم زادها رسوخًا؟»
فالعبرة ليست بكثرة الأعمال، وإنما بالأثر الذي تتركه في حقيقة النفس واتجاهها نحو الله سبحانه.

٤. المداومة على ذكر الربوبية
ليجعل الإنسان استحضار مقام الربّ حاضرًا في قراراته اليومية واختياراته العملية؛ فإنّ دوام الالتفات إلى ربوبية الله يُفضي تدريجيًا إلى إدراك الربّ، فتغدو الربوبية واقعًا معيشًا، لا مفهومًا ذهنيًا مجرّدًا.
وبذلك تنتقل معرفة الإنسان بالله من مستوى العلم إلى مستوى الحضور، ومن مجرّد الاعتقاد إلى التحقّق العملي والوجودي.

(غرر الحكم، ح ٨٦٣٢)

نویسنده ارشد صُحُف

مشاهده تمام مطالب نویسنده

ارسال دیدگاه جدید

عضویت در خبرنامه صُحُف

از جدیدترین کتاب‌ها و تخفیف‌ها باخبر شوید.